الثلاثاء، 26 مايو 2009

من أسماء الله الحسنى: الواسـع العليـــم

الواسـع العليـــم
قال تعالى: {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }البقرة115
{وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }البقرة247 * {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }البقرة261 * {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }البقرة268 * {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }آل عمران73 * {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }المائدة54 * {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }النور32.
فهذا الاسم من الأسماء الحسنى، وهو من أسماء النسقين الأول والثاني.
هذا الاسم يشير إلي السمة الواحدة التي تفصيلها السعة المقترنة بالعلم، فهو من حيث هذه السمة لا تتناهى موارده ولا تـنـفد خزائنه ينفق كيف يشاء ويرزق من يشاء بغير حساب، فهو يفيض على عباده مما لديه من أرزاق معنوية أو حسية؛ لطيفة أو كثيفة، فهو من حيث هذا الاسم يؤتى فضله من يشاء وفق ما اقتضته قوانينه وسننه أى وفق مقاييسه ومعاييره وموازينه هو سبحانه، ولما كان البشر يجهلون ذلك فإنهم يتعجبون دائما من اختياراته واصطفاءاته فقال بعضهم: (لولا نزِّل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيم)، وقال آخرون: (أنَّي يكون له الملك علينا ونحن أحقُّ بالملك منه)، وهؤلاء لم يكتفوا بجهلهم المطبق وإنما أساءوا الأدب مع ربهم وحاولوا أن ينتزعوا منه ما اختص به نفسه وما هو بالأصالة له، ولا يمكن لهم القيام به، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ولقضوا بأيديهم على أنفسهم، وما زال البشر إلى الآن ينازعون ربهم اختصاصاته ويحاولون أن يشاركوه في ملكه وأن يرجِّحوا تدبيرهم للأمور على تدبيره وأن يزعموا لأنفسهم من الكمالات ما هو بالأصالة له.
وهو من حيث هذه السمة لا تتناهى موارده ولا تـنـفد خزائنه ينفق كيف يشاء ويرزق من يشاء بغير حساب، فهو يفيض على عباده مما لديه من أرزاق معنوية أو حسية؛ لطيفة أو كثيفة، فهو من حيث هذا الاسم يؤتى فضله من يشاء وفق ما اقتضته قوانينه وسننه أي وفق مقاييسه ومعاييره وموازينه هو سبحانه، وما من عبادة قصد بها الإنسان وجه ربه إلا وهى واصله إليه، فإن له الإحاطة بالزمان والمكان واللطائف والكثائف والماديات والمعنويات فهو ليس مقيداً في معبد ما أو في مكان ما، بل هو خالق كل شيء وموجده.
وهذا الاسم يشير إلى القبلة الحقيقية التي هي باطنة بقدر ما يغفل الناس عنها بينما هي ظاهرة لمن عقد العزم على التوجه إليها؛ إنها وجهه سبحانه وهو الظاهر كما يليق به، والاتجاه إليه إنما يعنى إخلاص الدين له بالقيام بمقتضيات الأسماء الحسنى، فيقوم الإنسان بما تقتضيه الأسماء منه، فيتحقق بذكر الله والتقوى والفقه، إنه بقدر حرص الإنسان على تحرِّى القبلة الظاهرة عليه أن يعمل على تحرى القبلة الباطنة، بل إن تحرى القبلة الظاهرة ليس إلا مظهراً ووسيلة لدفع الإنسان إلى تحرِّى القبلة الباطنة، وهذا يقـتضي إخلاص وجه القلب لله بترك الالتفات إلى غيره إلا من حيث أنه آية من آياته ومظهر من مظاهر سماته ووسيلة إلى التعرف على أسمائه، والإنسان بذلك يحقق المقصد الديني الأعظم الثاني ويوفي بالعديد من الأركان.
وهذا الاسم يشير إلى إحاطته التامة بكافة الأطر الزمكانية وبكل ما يمكن أن يتوجه إليه كيان في كون من الأكوان، فهو يشير إلى إحاطته التامة بكل مطلق ومقيد.
وهذا الاسم يعنى انه الغنى بمعنى الذي يملك الكثير الذي لا يتناهى ليس بمعنى عدم الاحتياج لغيره فإن ذلك ما يشير إليه اسمه (الغنى الحميد)، فهو سبحانه من حيث هذا الاسم يملك كل شيء ولديه كل ما يحتاجه عباده وكل ما يطلبونه، وهذا الاسم يعنى أيضا أنه المغنى، فمن أراد الغني فليعتصم به وليتوجه إليه.
والواسع العليم هو الذي يؤتى الملك ويجود بالمغفرة ويضاعف الثواب لمن يشاء، ويؤتى فضله من يشاء، فهو يؤتى الفضل لمن اقتضى كماله المطلق ذلك فهو لا يعطيه لأحد اعتباطاً كما يظن البعض، هو الذي يؤتى الفضل لعباده وفقا للقوانين والسنن، كما أن له الاحاطة التامة بهم فأينما تولوا فثم وجهه.
وهو من حيث هذا الاسم له الإحاطة التامة بالعباد، فأينما ولُّوا وجوهم فثمَّ وجهه، وأينما توجهوا أو قصدوا فإليه، وإن حاولوا الفرار فإنما يفرون منه إليه ، وما من عبادة قصد بها الإنسان وجه ربه إلا وهى واصله إليه، فإن له الإحاطة بالزمان والمكان واللطائف والكثائف والماديات والمعنويات فهو ليس مقيداً فى معبد ما أو فى مكان ما، بل هو خالق كل شيء وموجده.
والواسع العليم هو الذي يؤتى الملك ويجود بالمغفرة ويضاعف الثواب لمن يشاء، ويؤتى فضله من يشاء، فهو يؤتى الفضل لمن اقتضى كماله المطلق ذلك فهو لا يعطيه لأحد اعتباطاً كما يظن البعض.

المراجع (من كتب المؤلف أ. د. حسني أحمد):
1- الأسماء الحسنى والسبع المثاني، 2002.
2- الأسماء الحسنى في القرآن العظيم (قراءة جديدة)، دار النهار، 2002.
3- الإحصاء العلمي للأسماء الحسني، دار النهار، 2003.
4- المقاصد العظمي في القرآن الكريم، دار الأستاذ، 2004.
5- نظرات جديدة في الحقائق والأصول، 2005.
6- نظرات جديدة في المصطلحات، 2005.
7- المقصد الديني الأول، 2006.
8- الأسس النظرية لدين الحق، 2006.
9- نظرات إضافية في المصطلحات، 2007.

من أسماء الله الحسنى: العليم الحليم

العليم الحليم
قال تعالى: {لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ }الحج59
{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ }النساء12 * {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً }الأحزاب51
فهذا الاسم من الأسماء الحسنى، وهو من أسماء النسقين الأول والثاني.
وهذا الاسم من أسماء منظومة الرحمة والإرشاد والتشريع، ولذا فإنه يراقب الالتزام بالتشريعات التـفصيلية الدقيقة الخاصة بالمواريث والوصية، كما أنه من أسماء الجزاء، ولذا فإنه يعلم لكل مؤمن المدخل المرتضى عنده لأنه الأعلم بالفروق التـفصيلية والتي لا تـتـناهى والمتعلقة بأنفسهم وقلوبهم ودرجاتهم وميولهم، وهذا المدخل مرتضى عندهم لأنه عين ما تطلبه استعداداتهم وما يوافق ميولهم، فإن التفاصيل هى مجال العلم ومتعلقاته وبها يتم جلاؤه واستجلاؤه، والسمة التي تفصيلها العلم المقترن بالحلم لازمة لهذا الأمر ومفصَّـلة به، ذلك لأنها تتعلق بما لا يتناهى من المعلومات التفصيلية الخاصة بأعداد هائلة من الكائنات المخيرة المكلفة والتي لا يمكن أن يتشابه اثنان منهما تشابهاً تاماً، فتلك السمة هي أصل الملكة الإنسانية التي بها يزن الإنسان الأمور ويقدرها حق قدرها، وبها يعرف أقدار الرجال ويقومهم التقويم الصائب ويعرف كيف يستخدمهم الاستخدام الأمثل، فهذا الاسم من الأسماء التي اقتضت الملكات الذهنية والعقلية في الحقيقة الإنسانية.
فهذا الاسم هو الذي يراقب أفعال العباد وأقوالهم التي اقتضتها ماهياتهم واستعداداتهم، ولذا لابد من أن يتعلق علمـه بما يصدر عنهم ويرتب على ذلـك آثار أفعالهم، ويقدر لهم مراتبهم فيضع كلا منهم فى المرتبة اللائقة به والتي ارتضاها لنفسه، ومن رحمة الله أن كانت أسماء منظومة الهدى والإرشاد والتشريع تشير إلي سمة الحلم، وبذلك لم يؤاخذ الله الناس بما يضمرونه في قلوبهم وإنما بما صدر عنهم من أعمال تكشف عما يضمرونه.
وهذا الاسم يقتضي من الإنسان أن يتصف بالعلم والحلم، وبذلك يتزكى الكيان الجوهري للإنسان ويستحق الدرجات العلى في الجنة، فهي للصفوة المؤمنة من أولي الألباب.

المراجع (من كتب المؤلف أ. د. حسني أحمد):
1- الأسماء الحسنى والسبع المثاني، 2002.
2- الأسماء الحسنى في القرآن العظيم (قراءة جديدة)، دار النهار، 2002.
3- الإحصاء العلمي للأسماء الحسني، دار النهار، 2003.
4- المقاصد العظمي في القرآن الكريم، دار الأستاذ، 2004.
5- نظرات جديدة في الحقائق والأصول، 2005.
6- نظرات جديدة في المصطلحات، 2005.
7- المقصد الديني الأول، 2006.
8- الأسس النظرية لدين الحق، 2006.
9- نظرات إضافية في المصطلحات، 2007.

الاثنين، 25 مايو 2009

من أسماء الله الحسنى: ذو الفضل

ذو الفضــل
قال تعالى: {مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }البقرة105 * {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }آل عمران74 * {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }الأنفال29 * {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }الحديد21 * {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }الحديد29 * {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }الجمعة4.
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ }البقرة243 * {وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ }يونس60 * {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ }النمل73 * {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ }غافر61
{فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ }البقرة251 * {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ }آل عمران152 * {فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ }آل عمران174
فهذا الاسم من الأسماء الحسنى، وهو من أسماء النسقين الأول والثاني.
وهذا الاسم يشير إلى أن له سبحانه الفضل المطلق، فهو مالك الفضل وأصل كل فضل، وهذا يعنى أن له وحده حق وضع الموازين والمعايير اللازمة لتفاضل الناس فيما بينهم وأن له وحده حق تقرير ذلك وبيانه، ولقد أعلن وبين أن مناط التفاضل والتكريم هو التقوى، فهو غير منحاز إلى فئة قليلة أو إلى سلالة خاصة ولقد تبرأ ممن ادعوا أنهم أبناؤه وأحباؤه وأقام عليهم الحجة والبرهان، وأمر الناس باستباق الخيرات، وأعلن أن الأمر محكوم بكلمات وسنن لا تبديل لها ولا تحويل وأن من عرفها وفقهها وتوافق معها سيفلح ويحقق كماله المنشود.
والفعل الحسن من الإنسان إنما هو صادر عن صفة كمال من لوازم ماهيته التي قدرها الرب سبحانه، وتلك الصفة هي من مقتضيات وآثار الكمال الإلهي أصلا إذ هو مصدر الكمال الأوحد، لذلك فالآثار المترتبة على الفعل الحسن بمقتضى القوانين والسنن هي آثار حسنة وإنما هي فضل على فضل، فله سبحانه المن على عباده بذلك الفضل المتضاعف وله الفضل المطلق.


ولقد أعلن الكتاب العزيز أن رحمة الله قريب من المحسنين وأن له وحده أن يقسمها كيف يشاء أي كما تقتضي قوانينه وسننه وموازينه وليس وفق معاييرهم وأهوائهم، وأعلن أيضا أن الفضل بيده يؤتيه من يشاء، وهو ليس ملزماً بأن يوزع من فضله على المتكسبين بالدين ولا على رجال الكهنوت، إن الكثيرين قد ارتدوا على أعقابهم وصاروا يستكثرون على الناس رحمة ربهم وفضله وأرادوا أن يشاركوه فيما أختص به نفسه، وكل ما أعطاه الله تعالي لعبد من الكمالات هو من باب الفضل إذ ليس للإنسان من أمر ذاتي إلا أصله العدمي.

المراجع (كتب المؤلف أ. د. حسني أحمد):
1- الأسماء الحسنى والسبع المثاني، 2002.
2- الأسماء الحسنى في القرآن العظيم (قراءة جديدة)، دار النهار، 2002.
3- الإحصاء العلمي للأسماء الحسني، دار النهار، 2003.
4- المقاصد العظمي في القرآن الكريم، دار الأستاذ، 2004.
5- نظرات جديدة في المصطلحات، 2005.
6- نظرات جديدة في الآيات، 2006.
7- من هدي الآيات، 2006.
8- المقصد الديني الأول، 2006.
9- الأسس النظرية لدين الحق، 2006.
10- نظرات إضافية في المصطلحات، 2007.
11- نظرات عامة جديدة، 2007.

من الأسماء الحسنى: الكاتب

الكاتــب
قال تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ }الأنبياء94، فهذا الاسم من نسق الأسماء الحسنى المفردة، وهذا الاسم يقتضي أفعالاً إلهية عديدة ومتنوعة، قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ }البقرة178 * {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ }البقرة180 * {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة183 * {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة216 * {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً }النساء81 * {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ }المائدة21 * {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ }المائدة32 * {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }المائدة45 * {قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }الأنعام12 * {وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام54 * {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ }الأعراف145 * {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}التوبة51 * {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}التوبة120 * {وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }التوبة121 * {كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً }مريم79 * {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ }الأنبياء105 * {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ }الحج4 * {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ }يس12 * {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ }الزخرف19 * {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}المجادلة21 * {لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }المجادلة22 * {وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ }الحشر3

إن الكتابة هي التدوين أو التسجيل أو الإثبات أو الفرض أو الحفظ أو العزم أو التقدير أو الإيجاب، وكل أمر اجتمعت أسباب تحققه وارتفعت موانع ذلك يكون قد تم كتابته وإيجابه، فالكتابة تقتضى اجتماع أمور شتى لتقرير أمر أو حكم أو تعيينه أو تقدير قانون بهدف إنفاذه، وآثار أفعال الإنسان العائدة عليه إذا ما تأكدت وثبتت ورسخت بتكرار تلك الأفعال يقال إنها كتبت.
والكتابة المنسوبة إلي الله سبحانه هي فعل إلهي يعبر عن مقتضيات القوانين والسنن الإلهية في كون من الأكوان، وهو بالنسبة إليه منزه عن التقيد بالزمان، لذلك فإنه سبحانه يوجب ما اقتضته قوانينه في وقته المقدر بمقتضي تلك القوانين وبالنظر إلي أحوال الكون، فالكتابة تعبر عن حتمية تحقق أمر ما وإيجابه، وهي أيضا تعبر عن إيقاع آثار العمل بالإنسان والأمة بمقتضي القوانين، وكل ذلك يكون من حيث كل منظومة الأسماء الحسني.
وعبِّر بالكتابة أيضاً عن تراتبية الأسماء والسمات، فللرحمة التقدم عند التعامل مع الكيانات المخيرة، ولقد تمثل ذلك في مضاعفة آثار الأعمال الحسنة وفي تقليل تأثيرات الأعمال السيئة أو سترها أو محوها.
وثمة كتابة من حيث منظومة أسماء الرحمة والهدي ينتج عنها الأوامر والتعليمات التي يجب علي الإنسان المخير العمل بمقتضياتها إذا أراد النجاة والسعادة، فتلك الأوامر مجالها الكيانات الإنسانية المخيرة، وبالتالي فهم مخيرون بشأنها، ويترتب علي طبيعة ومدى استجابتهم لها تغيرات في كياناتهم الجوهرية طبقاً للسنن، فإذا ما رسخت تلك التغيرات يقال إنها كتبت.
وناتج ممارسة فعل الكتابة هو الأمور المكتوبة، وجماعها يسمى بالكتاب، فالكتاب يتضمن القوانين الواجبة والسنن اللازمة والكلمات التي لا تبديل لها ولا تحويل والتي اقتضتها الأسماء الحسني، كذلك فإن الأمر أو الحكم الذي قضى به يقال إنه كُتِب فأصبح من المحتم تحققه ووقوعه, فالكتابة هي فعل ينتج عنه الأمر المكتوب، وهذا الأمر يكون بذلك قد وجب تحققه ووجوده بمقتضى القوانين والسنن فتحققت كل الشروط والأسباب اللازمة لذلك وارتفعت كل الموانع، والكتاب هو محل ما كتب من الأمور، وبالكتابة يتحقق الأمر هنالك في العالم الألطف قبل أن يتحقق في العالم الأكثف, فطالما وجد كيان أو تجمع إنساني فإنه ينشأ بإزائهم كتاب تحصى عليهم فيه أعمالهم وآثار أعمالهم وذلك هو الكتاب الذي يحاسبون عليه ويقضي لهم أو عليهم به ويدعون إليه ويلقونه منشورا, فبالنظر في هذا الكتاب وبالرجوع إلى القوانين والسنن يقضي في أمرهم, فالحكم الصادر هو عين ما يكتب ثم يتحقق، فهو ما يصيبهم نتيجةً لأعمالهم الاختيارية، وتلك الكتب على هيئة أنساق تكون السيادة فيها للأعظم إحاطة وللأعم وللأشمل على ما هو دونه، فكتاب الأمة حاكم على كتاب الفرد ويكون الحكم الصادر على الأمة بمثابة القضاء السابق والمحكم بالنسبة للفرد فلا يفلت الفرد من حكم صدر على أمته إلا فيما ندر وفي حالات شديدة الخصوصية وطبقا لقانون أعظم سيادة مثل حتمية نصر المؤمنين الذين آمنوا بالمرسلين المعاصرين كمن آمن مع نوح وهود وصالح وشعيب عليهم السلام, كما أن ثمة ابتلاءات تدبر بالنسبة للأفراد فلابد من كتابة هذا الابتلاء أي إيجابه في عالم الغيب قبل أن يتحقق في عالم الشهادة, كذلك إذا ما اعتقدت طائفة ما أن التقرب إلى الله تعالى لا يكون إلا بالتزام نهج معين أو طقوس معينة ووقر ذلك في نفوسهم وترسخ فيها فإنهم يطالبون بالوفاء به، لذلك يقال إن هذا النهج قد كتب عليهم ويؤاخذون به, وكل تكليف ليس من لدن الحق فيه مشقة على الناس، لذلك فإنه لن يستطيع القيام به إلا الخاصة أما العامة فإنهم سيكلُّون بالضرورة عنه فيزدادون ضلالاً وفسقا.

والرمز كفعل له يشير إلي أمر كرِّس وكدس وتراكم ثم قدر وبرز من باطن إلي ظاهر فبدأ به أمر ملزم لمفردات وعناصر مجاله.
والسنن الإلهية هي من مقتضيات الأسماء الإلهية، وتلك السنن تترتب في أنساق طبقاً لمنظومة الأسماء التي اقتضتها، ويقال لما اقتضته الأنساق الأعلى من الأمور أن الله سبحانه قد كتبها علي نفسه، ولذلك كان لمقتضيات الرحمة التقدم علي مقتضيات المؤاخذة الدقيقة الصارمة وكان لمن جاء بالحسنة عشر أمثالها.

إن الأمر المكتوب هو ما وجب تحققه وهو الأمر الذي لا تبديل له ولا تحويل فهو يشمل القوانين والسنن وكذلك الحقائق والماهيات الأولية، وكذلك يشمل الأحكام التي تصدر علي الكيانات المخيرة بسبب أفعالهم الاختيارية وبالنظر إلى نسق القوانين الحاكم عليه، وبالنسبة إلى إنسانٍ ما فإن ما كتبه الله عز وجل عليه هو ما قدَّره أو علمه، ذلك لأن له الإحاطة العلمية التامة بهذا الإنسان وبكل ما صدر عنه وما يمكن أن يصدر عنه بكافة احتمالاته الممكنة، والأصل هو أن ثمة فرقانا بين الأمر المكتوب وبين الأمر المقدر، فالأمر المقدَّر بصفة عامة يعني الأمر المحتمل بالنظر إلى طبيعة إنسان معيَّن، والأمور المقدرة لا حصر لها فهي تعتمد علي توفر شروط ومواقف معينة، والأمر الذي قدره من له العلم المطلق لابد من صدوره عن الإنسان عند توفر الشروط الخارجية اللازمة، فهو لعلمه بطبيعة إنسانٍ ما يمكنه أن يقدر أن هذا الإنسان سيثبت عند لقاء الأعداء، وله بعد ذلك أن يثبت صدق تقديره بأن يدبر الأمر بحيث يجد هذا الإنسان نفسه في مواجهة الأعداء بالفعل فيثبت ويصدق التقدير، والتثبيت هو أيضا فعل؛ فهو بالأصالة لله لأن له كل كمال وتأثير، أما الأمر المكتوب فهو حالة خاصة من الأمر المقدر، فهو إما أن يكون حكماً صدر علي الكيان أو واقعة لابد أن تحدث له، وقد يكتب الأمر المقدر بمعنى أن يدون وأن يسجل، ويجب العلم بأن حقيقة الإنسان المقتضية لاستجاباته لما يمر به من وقائع وأحداث لا يمكن أن تتغير قبل أن تتحقق وإلا لما كانت حقيقة أو لما ظهر هذا الإنسان ولظهر غيره، وتلك الحقيقة تظهر كاحتمال ممكن بسريان نسق معين من القوانين والسنن علي كون من الأكوان تجري الأحداث والوقائع فيه، ولله وحده أن يختار من بين كافة الحقائق الإنسانية الممكنة ما يخلقه ويحققه.

إنه لكل كيان إنساني كتاب يتضمن ما صدر عنه من أفعال وأقوال تبيِّن مدي استجابته للأوامر الشرعية وللسنن الوجودية الكونية، وبالنظر إلي نسق القوانين والسنن الحاكم علي هذا الكيان يترتب حكم ما عليه قد يتحقق في الدنيا أو في البرزخ أو في الآخرة، والحكم الذي يكتب لابد من تحققه، وثمة أحكام مقدرة لم تكتب فهي قابلة لإعادة النظر فيها، والأحكام الصادرة تتم بمقتضي أنساق القوانين والسنن التي هي من مقتضيات السمات الإلهية ومنها العدل والرحمة، ولقد اقتضت تلك القوانين أن يكون للإنسان إرادة حرة واختيار وقدرة وغير ذلك من الإمكانات التي هي من مقتضيات طبيعته والتي هي بذلك محددة ومقيدة ولكنها كافية لكي يتحمل بموجبها المسئولية عن موقفه من الأوامر الشرعية، والكيان الإنساني بتوافقه مع الأوامر الشرعية يتحسن كيانه الجوهري بينما يتدهور هذا الكيان بمخالفتها، وهذا يعني أن الإنسان يواجه في حياته إما وقائع مترتبة علي تدبير إلهي بهدف ابتلائه حتى تبرز حقيقته وخصائص ماهيته وإما أحكاما واجبة النفاذ مترتبة علي أفعال اختيارية سابقة كان لابد من مؤاخذته بها في الدنيا قبل الآخرة أو علي أحكام صدرت علي الكيان الإنساني الأعلى الذي يشكل هذا الإنسان عنصرا من عناصره، وهذا هو أصل الواجبات المفروضة علي الإنسان تجاه ذوي قرباه وتجاه أمته، فالإنسان معرض لمواجهة أحكام صدرت علي قبيلته أو علي قومه أو علي بلده أو حتى علي البشرية جمعاء في عصره، وذلك بمقتضي أنساق أعلي من القوانين والسنن، ويجب الإيمان بأن كل ما يتحقق في الكون إنما هو بالأصالة من تدبير الله تعالي، فهو الذي يدبر الأمر ويفصل الآيات لكي يحقق مقاصده وكل ما في الكون يجري بعلمه وبمقتضي قوانينه وسننه، وهو الذي أعطي كل إنسان مجالا يمتد بطول عمره لكي يسعى لتحقيق كماله، وتدبير الوقائع والأحداث الكونية إنما يتم بمقتضي القوانين والسنن وما يترتب علي حل المعادلات الكونية لتحقيق المقاصد الوجودية وكل ذلك هو من الشئون الإلهية المحض لا يسال فيها عما يفعل، ولكن لابد من الثقة التامة به وبلوازم وجوده من الأسماء الحسني ومقتضياتها من القوانين والسنن، ويجب العلم بأن الله سبحانه لا يكلف نفسا إلا وسعها الذي يعلمه هو ولا يكلفها إلا ما آتاها من خزائنه وهو لن يحاسب إنسانا إلا علي عمره الذي سمح له به وعلي ما أعطاه فيه من فرص وإمكانات للوصول إلى كماله، ولو تدبر الإنسان لأدرك أنه بالنسبة إلى الزمن اللانهائي المتطاول فإن الفوارق الزمنية الأرضية هي جد قصيرة جدا، وجسم الإنسان الأرضي هذا ليس بمقدر للخلود، وليس ثمة فرقان كبير بين هلاك آلاف الأشخاص في لحظة زمنية قصيرة بسبب كارثة طبيعية وبين هلاك كل منهم علي حدة علي مدي نصف قرن مثلا، فالحياة الدنيا هي حياة قصيرة عابرة ومتاعها جد قليل ولكنها كافية تماما لتحقيق المقاصد الوجودية.

لقد كتب الله لبني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة، وبالتالي صار دخولهم هذا أمرا مقضيا، ولكن كان عليهم القيام بكل ما يلزم لتحقيق هذا الدخول من إعداد القوة اللازمة وقتال من كانوا فيها، فلما قصَّر القرن الذي كُلِّف وأُمِر بتحقيق ما كتب بل وتبجحوا أسند تحقيق الأمر إلي قرن آخر من بني إسرائيل، وهذا يعني أن القضاء كان مجملا ولم يُختَص قرن معين بتحقيقه.

إن الكتابة بمعنى إيجاب أمر أو حكم تكون بمقتضى تحقق وسريان القوانين، ولذلك قد تفرض علي الناس أحكام شرعية بسبب أعمالهم، ولقد ختم ذلك باكتمال الدين.

إن الأمور التي لا تبديل لها ولا تحويل هي حقائق الأشياء والقوانين والسنن وكذلك الوقائع التي لا مفر منها ولا محيص عنها، وثمة أمور محكمة يمكن أن تتنوع طرق تفصيلها.

المراجع (كتب المؤلف أ. د. حسني أحمد):
1- الأسماء الحسنى والسبع المثاني، 2002.
2- الأسماء الحسنى في القرآن العظيم (قراءة جديدة)، دار النهار، 2002.
3- الإحصاء العلمي للأسماء الحسني، دار النهار، 2003.
4- المقاصد العظمي في القرآن الكريم، دار الأستاذ، 2004.
5- نظرات جديدة في الحقائق والأصول، 2005.
6- نظرات جديدة في المصطلحات، 2005.
7- نظرات جديدة في الآيات، 2006.
8- من هدي الآيات، 2006.
9- المقصد الديني الأول، 2006.
10- نظرات في السنن والمرويات، 2006.
11- الأسس النظرية لدين الحق، 2006.
12- نظرات إضافية في المصطلحات، 2007.
13- نظرات عامة جديدة، 2007.

الجمعة، 22 مايو 2009

من أسماء الله الحسنى: الملك القدُّوس العزيز الحكيم

الملك القدُّوس العزيز الحكيم
قال تعالى: { يُسَبّحُ لِلّهِ مَا فِي السّمَـوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ الْمَلِكِ الْقُدّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ }، (الجمعة: 1).
فالاسم (الملك القدوس العزيز الحكيم) هو بذلك من أسماء النسق الأول من الأسماء الحسنى، وهو اسم واحد يشير إلى سمة واحدة تفصيلها تلك السمات الأربع التي يفضي كل سابق منها إلى اللاحق ويفضي آخرها إلى أولها في شكل حلقة إلهية محكمة تحيط بكل مملكته، فهو ملك لأن له كل شيء في هذا الوجود وله حق التصرف فيه، وله في مملكته الأمر والنهي والتشريع والتدبير والتفصيل، كما أنه هو القاهر فوق عباده وله الحكم علي كل شيء وفي كل أمر، ولكنه ليس كمثله ملك، إذ هو المقدس في ملكه هذا عن كل ما يظهر فيه من تجليات وآلاء فهي تشير إليه وتدلّ عليه، ولكنها لا ترقى أبداً إليه وإن كانت كلها تستند إليه، وهو بالأحرى منزَّه عن كل ما هو لخلقه، وعن كل تصوراتهم له وعما يجول في خواطرهم نحوه وعما يسبغونه من صفات عليه، وهو المقدس عن كل ما يجري في مملكته مما هو مترتب على النقص الذاتي الذي لدى الناس، فالشر ليس إليه، ذلك لأنه مقتضي ما تتسم به الكائنات من صبغة عدمية هي من أخص خصائصهم الذاتية، أمَّا الخير فلديه دائماً ما هو خير منه، ولديه دائماً المزيد، كما أنه أعلى من كل ما يتجلَّى به من كمالات، والله خير وأبقى، ولذا فهو العزيز الذي ليس كمثله شيء ولا مطمع لأحد في الإحاطة به أو إدراك كنهه أو الوصول إلى مقامه، فالساعي إليه يسعى على طريق لا نهائي يبقى أمامه دائماً بقدر ما ترك وراءه، مع أنه قد يسبق غيره بما لا يتناهى من درجات، ولذلك يسبِّح له ما في السموات وما في الأرض تسبيحاً ذاتياً، حتى من تمرَّد على أوامره التكليفية، فإن ذلك التمرد لا يعنى أكثر من التخبُّط الموضعي المحلى، ولذا فإن التيار العام يجرفه إليه، فالأرض بكل من عليها تسعى طوعاً إليه، ولقد اقتضت عزته أن يتوجه الكل إليه بالعبادة، ولكنه بحكمته لا يكلفهم إلا بما هو في وسعهم، ولا يطالبهم إلا بما هو في قدرتهم، وقد اقتضى ذلك أن يتولى ذلك الاسم بعث الرسل بالدين الذي بأوامره الحكيمة يبلغ بكل فرد إلى كماله المنشود، وإرسال الرسل بالتعليمات والأوامر هو من فعل الملك مع رعيته وبذلك اكتملت الحلقة الإلهية، فبحكمته يدبر أمر مملكته.
فذلك الاسم هو الذي يقتضي أن يسبِّح له ما في السموات وما في الأرض، وهو الذي أجاب دعوة إبراهيم عليه السلام وبعث في الأميِّين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم، وزاد عليهم بأن علمهم الكتاب والحكمة كما علمهم ما لم يكونوا يعلمون، فتعلموا بذلك كيف يقدِّسون الله ويمجدونه، وكيف يكونون خلفاءه في الأرض، وكيف يحملون رسالته إلى البشر أجمعين .
وهذا الاسم يقتضي أن يُقرَّ الإنسان لربه أن الملك ملكه، فلا يحاول أن ينازعه فيه أو أن يشرك معه غيره، كما يحاول أن يلتزم بشرعه وأن يثني عليه بقدر استطاعته بما هو أهله، كما يقتضي أن يتحلَّى الإنسان بالطهارة والعزة والحكمة، وأن يتجنب كل ما يجلب عليه النقمة، فإن عزته سبحانه تقتضي تعذيب من يخالفه، كذلك عليه أن يوقِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث أنه مرسل من لدن من له الملك المطلق، وأن يتأسى بهديه، وأن يتمسَّك بسنته من حيث أنه معلِّم الناس كتاب ربه، تالٍ لآياته، ومزَكٍّ لأنفس عباده.

المراجع (من كتب المؤلف أ. د. حسني أحمد):
1- الأسماء الحسنى والسبع المثاني، 2002.
2- الأسماء الحسنى في القرآن العظيم (قراءة جديدة)، دار النهار، 2002.
3- الإحصاء العلمي للأسماء الحسني، دار النهار، 2003.
4- المقاصد العظمي في القرآن الكريم، دار الأستاذ، 2004.
5- المقصد الديني الأول، 2006.

من أسماء الله الحسنى: المتين

المتيـن
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ }الذاريات58، فهذا الاسم من نسق الأسماء الحسنى المفردة.
والمتين هو الذي لا توجد في كيانه ثغرة أو تفاوت لأنه لا تركيب فيه، وهو ليس مكوناً من وحدات أولية تتماسك بفعل قوى مادية، لذلك فتماسكه ذاتي لتماثل كيانه المطلق وليس بفعل أمر خارجي، وهذا التماثل هو تماثل مطلق وليس أمراً نسبياً كما هو الحال في كل ما هو من دونه، ويترتب على ذلك أن يكون هو السند والصمد والركن المتين.
فالمتانة هي من لوازم الصمدية التي تشير إلى أن له البساطة المطلقة فليس ثمة تركيب في ذاته، وبالتالي فالمتانة هي ثباته المطلق على ما هو عليه وثبات كل ما هو له أو ما هو منسوب إليه، فالمتانة هي التماسك الشديد غير القابل للخرق إذ لا ثغرات فيه ولا تركيب.
فالمتين هو من له التماسك المطلق من حيث الكيان والكنه والصفات فكيانه غير قابل لزيادة ولا لنقصان ولا يمكن أن ينفصل شيء عنه ولا أن يضاف إليه فلا يمكن أن يتجزأ أو يتبعض ولا أن يتخلله شيء، فليس ثمة تركيب في ذاته إذ له البساطة المطلقة، فالمتانة المطلقة هي تفصيل لصمديته المطلقة، لذلك فليست به حاجة إلى ما خلق وإنما هم المفتقرون إليه الافتقار الذاتي المطلق.
والمتين هو الذي يطعم ولا يحتاج إلي طعام، فهو لا يستهلك شيئاً من كيانه عند ممارسته أفعاله ولا يحتاج إلي استبدال شيء منه، وهو الكامل كمالاً مطلقاً فلا يحتاج إلي طعام ما لينمو.
وكل كيان ظاهر في الكون هو كيان قابل مستهلك، فلابد لهذا الكون إذاً من كيان رازق متين مطلق، فهذا الكيان هو الذات الإلهية القائمة بنفسها التي ليست بحاجة إلي مدد ما من غيرها.

المراجع (كتب المؤلف أ. د. حسني أحمد):
1- الأسماء الحسنى والسبع المثاني، 2002.
2- الأسماء الحسنى في القرآن العظيم (قراءة جديدة)، دار النهار، 2002.
3- الإحصاء العلمي للأسماء الحسني، دار النهار، 2003.
4- المقاصد العظمي في القرآن الكريم، دار الأستاذ، 2004.
5- نظرات جديدة في الحقائق والأصول، 2005.
6- نظرات جديدة في المصطلحات، 2005.
7- نظرات جديدة في الآيات، 2006.
8- من هدي الآيات، 2006.
9- المقصد الديني الأول، 2006.
10- نظرات في السنن والمرويات، 2006.
11- الأسس النظرية لدين الحق، 2006.
12- نظرات إضافية في المصطلحات، 2007.

الأربعاء، 20 مايو 2009

من أسماء الله الحسنى: التواب الرحيم

التـواب الرحيـــم
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ{159}إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ{160} البقرة * {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}التوبة104 * {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }التوبة118{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }البقرة128 * {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }البقرة37 * {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }البقرة54 * {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }النساء64، فهذا المثنى هو اسم من أسماء النسق الأول من الأسماء الحسنى.

إن توبة الله على عبده مترتبة على شعور هذا العبد وإحساسه الوجداني بالحياء والخوف والندم بعد ارتكابه المعصية، فالعبد الصالح تضيق عليه الأرض بما رحبت بما جناه على نفسه بل تضيق عليه نفسه، إذ يأخذ منه الندم كل مأخذ ويعرف عندها أن لا مفر من الله تعالى إلا إليه وأن الأمل في الخلاص من حالته تلك ومن آثار المعاصي ليس إلا عنده، فعند ذلك يتوب الله على عبده بمعنى أن ييسر له أسباب التوبة ويفتح له أبوابها، وكان لابد من كل تلك المشاعر والأحاسيس لتهيئ الإنسان لتقبل آثار توبة الله تعالى عليه ولكي ينتفع بها، وبذلك يمكن للعبد أن يتوب ويظهر بذلك الاسم التواب الرحيم، فالصفة الواحدة التي تفصيلها التوبة المقترنة بالرحمة بحيث تسبق التوبة الرحمة قد ظهرت وفصلت بكل ما حدث، وعرف الناس بذلك وعاينوا كمالا لله تعالى ما كان له أن يظهر إلا بما حدث ورأى الحق سبحانه كماله في مظاهر خارجية، أما بالنسبة إلي العبد التائب فتوبة الله عليه قادته إلى رحمة الله تعالى فأصبح بتوبته مرحوما فلم يتأثر بآثار معصيته أو خففت آثارها أو أبدل بها حسنة بمقدار ما اكتسبه بسببها من عبرة ومناعة وكمال وعلم.
ولقد كان هذا الاسم هو الذي تولى آدم عليه السلام وهو الاسم الذي لاذ به بعد أن عصى ربه وغوى، فلكل آدمي نصيبه من هذا الاسم، والمثنىالذي أوتيه آدم عليه السلام هو التواب الرحيم وقد ورد في تلك الآية: {فَتَلَقّىَ آدَمُ مِن رّبّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ } ( البقرة: 37 )، لقد ندم آدم على ما بدر منه من معصية فألهمه الله تعالى أن يقول مع زوجه: {رَبّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ( الأعراف: 23 )، تلك الكلمات هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، وهي اعتراف محض بالذنب وإقرار بأن رحمة الله تعالى ومغفرته هما سببا النجاة، فآدم عصى ربه كما أخبر الحق سبحانه، ولا ينبغي تكذيب ما أخبر الله تعالى به اعتذاراً عن آدم لما بدر منه ، فإن شرف آدم وعلوّ قدره إنما ظهرا بسبب ذنبه ، فهو لم يستكبر كإبليس بل ندم واستغفر وفرّ إلى ربه، فكان ذلك سبباً لاجتبائه وحبه، قال تعالى: {وَعَصَىَ ءَادَمُ رَبّهُ فَغَوَىَ * ثُمّ اجْتَبَاهُ رَبّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىَ} ( طه: 121 - 122 )، فبيَّن أن الاجتباء كان بعد المعصية، إذ بعدها أصبح آدم واعياً بالمسئولية الملقاة على عاتقه وبواجبه نحو ربه وبدأ استخلافه في الأرض، إن معصية آدم وتوبته كانتا سبباً في تجلّي المثنى التواب الرحيم وظهور آثاره، وتولى هذا المثنى المعبر عن التوبة المقترنة بالرحمة أمر آدم وبنيه من بعده ، فكل بني آدم لهم حظهم من تجلي هذا المثنى.


المراجع (من كتب المؤلف أ. د. حسني أحمد):
1- الأسماء الحسنى والسبع المثاني، 2002.
2- الأسماء الحسنى في القرآن العظيم (قراءة جديدة)، دار النهار، 2002.
3- الإحصاء العلمي للأسماء الحسني، دار النهار، 2003.
4- المقاصد العظمي في القرآن الكريم، دار الأستاذ، 2004.
5- نظرات جديدة في الحقائق والأصول، 2005.
6- نظرات جديدة في المصطلحات، 2005.
7- المقصد الديني الأول، 2006.
8- الأسس النظرية لدين الحق، 2006.
9- نظرات إضافية في المصطلحات، 2007.